تأملات في الحج

كان من فضل الله عليّ أن يسر لي الحج بصورة غير متوقعة وما أخالها إلا استجابة لصلواتي في العشر الأواخر من رمضان لهذه السنة حين دعوت الله تعالى أن يوفقني للحج وقد كان أن توجهت مع مجموعة من الصديقات في حملة لا يسعني سوى أن أتذكر أفرادها بكل حب وتقدير، وأن أتذكر القائمين عليها بالشكر والامتنان لما بذلوه من جهود في سبيل توفير أسباب الراحة والتيسير، بصدق كانت حملة غمرتني بمشاعر روحانية وأحاسيس جميلة سأظل أذكرها ما امتد بي العمر…

كما أسعدني حقاً تواجد الداعيات اللاتي قمن بإلقاء عدة محاضرات شغلت الكثيرات فيما يفيد لاسيما وأن الثرثرة واللغو هو ديدننا نحن النساء لا نميز أثنائها الأيام الفضيلة من غيرها …

أعجبت جداً بمحاضرات الاستاذة/ وفاء بصري وإن لم يتيسر لي سوى حضور محاضرتين مما ألقت إلا أنني من خلالها لمست الصدق والحماس وقوة الحضور والرغبة الحقيقية في الإفادة والاستفادة فلا يسعني سوى أن أدعو الله تعالى أن يجزيها عنا خير الجزاء ويجعل أعمالها خالصة لوجهه الكريم…

داعية أخرى أسأل الله تعالى أن يوفقها لما فيه الخير والصواب ألقت محاضرة في يوم العاشر حيث أقيم احتفال بسيط بالعيد وكان مدارها الهمم العالية حيث ألقت عدة قصص حول أشخاص قاموا ببناء مدارس تحفيظ وكفلوا مئات الأيتام …الخ وكانت في أثنائها تقوم باستدعاء إحدى الحاضرات وتطلب منها تعداد ثلاثة أشياء ستقوم بها بعد الحج تغير بها حياتها وتكون أكثر قرباً من الله تعالى، ذكرت بعض الحاضرات تربية أبنائها ليكونوا حفاظاً للقران وأئمة للمساجد وطلبة للعلم وذكرت أخريات رغبتهن في حفظ القران وفتح صفحة جديدة مع الله تعالى…

كان إصرار الداعية لكل واحدة من الحاضرات أن تكون طموحة فإن ذكرت حفظ القران طالبتها بتحديد مدة زمنية كالسنة أو السنتين مثلاً، وإن ذكرت كفالة الأيتام طالبتها بعدد معين، وإن ذكرت مدارس القران طالبتها برقم معين وهكذا، ثم يتبع ذلك دعاء من الداعية للأخت بتحقيق أمنيتها مع تأمين الحاضرات على ذلك…

وأنا لا اعتراض عندي على كل هذا، فما أحوجنا إلى النفوس الكبيرة والهمم التي تعانق السحاب، إلا أن لدي ملاحظة بسيطة على أسلوب الداعية حفظها الله وذلك أنه في ختام المحاضرة قامت إحدى الحاضرات جزاها الله خيراً بذكر ما جال في خاطرها في حج هذه السنة حيث ذكرت ما امتلأت به منطقة المشاعر من الأوساخ والأقذار وكميات النفايات الهائلة وبقايا الأطعمة، ذكرت الأخت قوله تعالى: (أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود) وأن هذه المناظر المؤذية للعيون تتنافى مع روحانية هذه الأيام الفضيلة وتتنافى مع أماكن كمنطقة المشاعر وأنه كان من الصعب عليها الدعاء في يوم عرفة وهي محاطة بهذه الكمية الهائلة من الأقذار، فما كان من الداعية إلا أن قاطعتها قائلة بأن النفايات هي أقل كثيراً من كميات السنة الفائتة وشكرت الحكومة والسلطات الأمنية والجهات القائمة على الحج على حسن خدمتها لحجاج بيت الله ثم ذكرت أن الدعاء في القلب وأن الإنسان يتوجه إلى الله في أي مكان وزمان في نبرة اعتراض واضحة على الملاحظة التي ألقتها الأخت…

وأنا وجدت موقفها بصراحة في غاية الإجحاف فالأخت قد ذكرت ملاحظة مهمة جداً، وكان من الأجدر بها نصح الحاضرات وتذكيرهن فالذكرى تنفع المؤمنين، ولا أدل على صحة موقفي من منظر المصلى بعد مغادرة الحاضرات فور انفضاض المحاضرة حيث امتلأ المصلى بقناني المياه وأكواب المشروبات والمناديل المستعملة وعلب العصائر، مع وجود سلال المهملات والتي تمت معاملتها كديكور مكمل للمكان بدلاً من استعمالها للغرض الذي وجدت من أجله…

إن الأخت التي لا يمكنها الإبقاء على مكان العبادة في حالة نظيفة لفترة ساعة من الزمن دون الحاجة إلى قيام العاملات بالتنظيف من بعدها كما لو كانت طفلة … لا يمكنها أن تكفل ألف يتيم ولا يمكنها أن تفتح مئة مدرسة تحفيظ ولا يمكنها أن تخرج آلاف الحافظات لكتاب الله، لأن الإسلام كل لا يتجزأ فهو علم وعمل وجسد وروح ودين ودنيا…

وهو كذلك دين التناصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونحن بتذكيرنا بهذا لا نتهم القائمين بالتقصير ويعلم الله أنهم حريصون اشد الحرص على تقديم أفضل الخدمات وليسوا بحاجة إلى المديح والثناء بقدر ما يحترمون النقد الهادف…

فلم كان هذا التصرف من الداعية ؟

ولم الإصرار على كتم الأصوات الداعية إلى الخير؟

ثم أنّى للإنسان أن يناجي ربه وهو محاط بكل هذه الأكوام من الزبالة والقمامة ثم تكون الإجابة أن الذكر في القلب… !!

إن أختاً ما لو أرادت إقامة حفلة زفاف لابنها أو ابنتها وأشير عليها بإقامته في مكان قذر بحجة أن الفرحة في القلب فهل ستوافق…؟!! كيف اقبل على ديني الذي أمثله من خلال أداء هذا الركن العظيم أن أؤدي هذه الشعائر في أماكن قذرة بحجة أن الإيمان في القلب والدعاء في القلب والإخلاص من القلب …؟!!

لا أنكر أن الإيمان في القلب لكنه كذلك تصديق بالجوارح وعمل بالأركان، وأبسط ما يمكن عمله بالنسبة لكل شخص أن يتحرى نظافة المساحة التي يشغلها على الأقل وحث من حوله على ذلك.. .

هذه كانت مجرد نظرات وتأملات في حج هذه السنة وإن أصبت فمن الله وإن أخطأت فمن نفسي وإنما هي مجرد أفكار كانت تتردد بين حنايا روحي أردت أن أبثها إلى الوجود فلم أجد سواكم مصيغاً وأنيساً … ولذا فلكم مني جزيل الشكر وأسأل الله تعالى أن نكون من عتقائه جل وعلا في يوم عرفة الفضيل … سبحانك اللهم وبحمدك اشهد أن لا اله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك…

الإعلانات
نُشِرت في Uncategorized | تعليق واحد

اليمامة العاشقة … غارة نغيرها.. أم نفوس نغيرها..

ذكر الرافعي في كتابة وحي القلم:

هكذا رأت الفتاة المسيحية (مارية) وهى وصيفة “أرمانوسة” والتي تزوجت من “قسطنطين بن هرقل” وجهزها ابوها المقوقس لتسير إليه وكان معها الفتاة مارية وكان المقوقس قد اختارها لتكون كنيسة حية لأبنته وكانت شديدة التدين في المسيحية ..

رأت الفتاة الممتلئة علماً ومعرفة وحكمة حال المسلمين المجاهدين عندما قرر عمرو بن العاص ان يعيدها لأبيها معززة مكرمة لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوصى كل المسلمين بحفظ عهده معهم واحترام مقوقسهم له ولرسله وأخبرت أميرتها والرجل أي والدها قد جعل الله في قلبه وحكمته مفتاح مصر ودخول الإسلام إليها…

بعثت الى عمرو بن العاص تستأذنه في الانصراف فقال لها عمرو بن العاص :
أبلغيها أن نبينا -صلى الله عليه وسلم- قال: “استوصوا بالقبط خيرًا فإن لهم فيكم صهرًا وذمة”

وأعلميها أننا … لسنا على غارة نُغِيرها بل على نفوس نُغَيِّرها …

ثم تناهى إلى سمعها أن عمرًا قد سار إلى الإسكندرية للقتال وظلت مارية تتابع الفاتح عمرو وتسأل أخباره بشغف أثار تساؤلات الأميرة …

ثم شاع الخبر في كل مكان من أرجاء مصر، أنه لما أمر بفسطاطه أن يقوض أصابوا يمامة قد باضت في أعلاه فأخبروه فقال:
“قد تحرمت في جوارنا، أَقِروا الفسطاط حتى تطير فراخها”

فأقروه ولم يمض وقت طويل حتى ماتت مارية وحفظت عنها ارمانوسة هذه الأبيات الرقيقة من الشعر:

(على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها
تركها الأمير تصنع الحياة
وذهب هو يصنع الموت
هي كأسعد امرأة ترى وتلمس أحلامها
إن سعادة المرأة أولها وآخرها بعض حقائق صغيرة كهذا البيض
على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها
لو سئلت عن هذا البيض لقالت: هذا كنزي
هي كأهنأ امرأة ملكت ملكها من الحياة ولم تفتقر
هل أكلف الوجود شيئًا إذا كلفته رجلًا واحدًا أحبه؟
على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها
الشمس والقمر والنجوم كلها أصغر في عينها من هذا البيض
هي كأرق امرأة عرفت الحب مرتين
في الحب وفي الولادة
هل أكلف الوجود شيئًا كثيرًا إذا أردت أن أكون كهذه اليمامة؟
على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها
تقول اليمامة: إن الوجود يحب أن يُرى بلونين في عين الأنثى
مرة حبيبًا كبيرًا في رَجُلها
ومرة حبيبًا صغيرًا في أولادها
كل شيء خاضع لقانونه والأنثى لا تريد أن تخضع إلا لقانونها
أيتها اليمامة لم تعرفي الأمير وترك لكِ فسطاطه
هكذا الحظ: عدل مضاعف في ناحية وظلم مضاعف في ناحية أخرى
احمدي الله أيتها اليمامة أن ليس عندكم لغات وأديان ..عندكم فقط: الحب والطبيعة والحياة
على فسطاط الأمير يمامة جاثمة تحضن بيضها
يمامة سعيدة ستكون في التاريخ كهدهد سليمان
نُسب الهدهد إلى سليمان
وستُنسب اليمامة إلى عمرو.
واهًا لك يا عمرو ما ضر لو عرفتَ اليمامة الأخرى )..

فهل يعي من أراد التغيير أن الأمر فيه سعة .. وفيه موقف لا يتزعزع .. وفيه خلق قويم… فيا من تريد تغييرا مع من يشاطرونك الحياة بحلوها ومرها…

ابدء بنفسك فأنهها عن غيها          فإذا انتهت عنه فأنت حكيم
لا تنهى عن خُلق وتأتي مثله          عار عليك إذا فعلت عظيم

ها هنا…  كلمات أبتغي منها أن تكون النصيحة لي ولكم … بالحال قبل المقال لكي نكون مقتنعين بكل شئ بدءاً بأنفسنا وانتهاءاً بطعم سعادة ننشدها..

نُشِرت في Uncategorized | أضف تعليق